السيد هاشم البحراني

345

البرهان في تفسير القرآن

عمرو بصدر السفينة ، وأدركوه ، فأخرجوه ، فوردوا على النجاشي ، وقد كانوا حملوا إليه هدايا ، فقبلها منهم ، فقال عمرو بن العاص : أيها الملك ، إن قوما منا خالفونا في ديننا ، وسبوا آلهتنا ، وصاروا إليك ، فردهم إلينا . فبعث النجاشي إلى جعفر ، فجاءه « 1 » ، فقال : يا جعفر ما يقول هؤلاء ؟ فقال جعفر ( رضي الله عنه ) : أيها الملك ، وما يقولون ؟ قال : يسألون أن أردكم إليهم . قال : أيها الملك ، سلهم : أعبيد نحن لهم ؟ فقال عمرو : لا ، بل أحرار كرام . قال : فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها « 2 » ؟ قال : لا ، ما لنا عليكم ديون . قال : فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها « 3 » ؟ قال عمرو : لا . قال : فما تريدون منا ؟ آذيتمونا ، فخرجنا من بلادكم . فقال عمرو بن العاص : أيها الملك ، خالفونا في ديننا ، وسبوا آلهتنا ، وأفسدوا شبابنا ، وفرقوا جماعتنا ، فردهم إلينا لنجمع أمرنا . فقال جعفر : نعم أيها الملك ، خلقنا الله ، ثم « 4 » بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد ، وترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ، وحرم الظلم ، والجور ، وسفك الدماء بغير حقها ، والزنا ، والربا ، والميتة ، والدم ، ولحم الخنزير « 5 » ، وأمرنا بالعدل ، والإحسان ، وإيتاء ذي القربى ، ونهى عن الفحشاء ، والمنكر ، والبغي . فقال النجاشي : بهذا بعث الله عيسى بن مريم ( عليه السلام ) . ثم قال النجاشي : يا جعفر ، هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا ؟ قال : نعم . فقرأ عليه سورة مريم ، فلما بلغ إلى قوله : وهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْناً « 6 » ولما سمع النجاشي بهذا بكى بكاء شديدا ، وقال : هذا والله هو الحق . فقال عمرو بن العاص : أيها الملك ، إنه مخالف لنا ، فرده إلينا ، فرفع النجاشي يده ، فضرب بها وجه عمرو ، ثم قال : اسكت ، والله لئن ذكرته بسوء لأفقدنك نفسك . فقام عمرو بن العاص من عنده ، والدماء تسيل على وجهه ، وهو يقول : إن كان هذا كما تقول أيها الملك ، فإنا لا نتعرض له . وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه ، فنظرت إلى عمارة بن الوليد ، وكان فتى جميلا ، فأحبته ، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة : لو راسلت جارية الملك . فراسلها ، فأجابته ، فقال له عمرو : قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا . فقال لها ، فبعثت إليه ، فأخذ عمرو من ذلك الطيب ، وكان الذي فعل به عمارة في قلبه ، حين ألقاه في البحر ، فأدخل الطيب على النجاشي ، فقال : أيها الملك ، إن حرمة الملك عندنا ، وطاعته علينا عظيمة ، ويلزمنا إذا دخلنا بلاده ، ونأمن فيها أن لا نغشه ولا نريبه ، وإن صاحبي هذا الذي معي قد راسل « 7 » إلى حرمتك ، وخدعها ، وبعثت إليه من طيبك . ثم وضع الطيب بين يديه ، فغضب النجاشي ، وهم بقتل عمارة ، ثم قال :

--> ( 1 ) في المصدر : فجاؤوا به . ( 2 ) في « ط » : ديون يطلبون . ( 3 ) في « س » : دم تطالبونا لهم . ( 4 ) في المصدر : خالفناهم بأنّه . ( 5 ) ( ولحم الخنزير ) ليس في المصدر . ( 6 ) مريم 19 : 25 ، 26 . ( 7 ) في المصدر : أرسل .